محمد الريشهري

340

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

حصاره وقتله تولية معاوية الشام مع ما ظهر من جوره وعدوانه ، ومخالفة أحكام الدين في سلطانه ، وقد خوطب عثمان في ذلك فاعتذر بأنّ عمر ولاّه قبله ، فلم يقبل المسلمون عذره ، ولا قنعوا منه إلاّ بعزله ، حتى أفضى الأمر إلى ما أفضى . وكان عليّ ( عليه السلام ) من أكثر المسلمين لذلك كراهية ، وأعرفهم بما فيه من الفساد في الدين ، فلو أنّه ( عليه السلام ) افتتح عقد الخلافة له بتوليته معاوية الشام وإقراره فيه ، أليس كان يبتدئ في أوّل أمره بما انتهى إليه عثمان في آخره ، فأفضى إلى خلعه وقتله ؟ ! ولو كان ذلك في حكم الشريعة سائغاً والوزر فيه مأموناً لكان غلطاً قبيحاً في السياسة ، وسبباً قويّاً للعصيان والمخالفة ، ولم يكن يمكنه ( عليه السلام ) أن يقول للمسلمين : إنّ حقيقة رأيي عزل معاوية عند استقرار الأمر وطاعة الجمهور لي ، وإنّ قصدي بإقراره على الولاية مخادعته وتعجيل طاعته ومبايعة الأجناد الذين قِبله ، ثمّ أستأنف بعد ذلك فيه ما يستحقّه من العزل ، وأعمل فيه بموجب العدل ؛ لأنّ إظهاره ( عليه السلام ) لهذا العزم كان يتّصل خبره بمعاوية ، فيفسد التدبير الذي شرع فيه ، وينتقض الرأي الذي عوّل عليه ( 1 ) . 3 - إبقاء معاوية يتعارض مع المباني السياسيّة للإمام قدّم ابن سنان ردّاً آخر على الطعن بسياسته في عزل معاوية ، وفيه إشارة إلى مبانيه السياسيّة في الحكم ( 2 ) ، ويسمّيه جواباً حقيقيّاً ويقول فيه : واعلم أنّ حقيقة الجواب هو أنّ عليّاً ( عليه السلام ) كان لا يرى مخالفة الشرع لأجل السياسة ، سواء أكانت تلك السياسة دينيّة أو دنيويّة ؛ أمّا الدنيويّة فنحو أن يتوهّم الإمام في إنسان أنّه يروم فساد خلافته من غير أن يثبت ذلك عليه يقيناً ؛ فإنّ عليّاً ( عليه السلام ) لم يكن يستحلّ

--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة : 10 / 247 . ( 2 ) جاء شرح المباني السياسيّة للإمام ( عليه السلام ) بالتفصيل في مدخل القسم الخامس .